مشروب غامض يتصدر موائد رمضان في جنوب مصر.. ما سر “الأبريه” الذي لا يغيب عن الإفطار النوبي؟
الأبريه.. تقليد رمضاني متوارث في النوبة يجمع بين الطقوس الاجتماعية والفوائد الصحية
في أقصى جنوب مصر، حيث تمتد قرى النوبة على ضفاف النيل وتزدان ببيوتها الملونة، يظل مشروب “الأبريه” أحد أبرز رموز المائدة الرمضانية، حتى بات حضوره جزءاً لا يتجزأ من طقوس الإفطار لدى أبناء المنطقة.
ولا يقتصر حضور الأبريه على شهر رمضان فقط، إذ يفضله النوبيون أيضاً خلال فصل الصيف بفضل قدرته على ترطيب الجسم والتخفيف من حرارة الطقس، كما يقدم في العديد من المناسبات الاجتماعية باعتباره رمزاً من رموز الكرم والضيافة المتجذرة في المجتمع النوبي.
طريقة تحضير تقليدية متوارثة
يُحضَّر الأبريه أساساً من دقيق الذرة المخمّر، حيث يُترك لعدة أيام حتى يكتسب طعمه المميز المائل إلى الحموضة، وهي عملية طبيعية تعزز قيمته الغذائية.
بعد التخمير، يُخفف الخليط بالماء وتضاف إليه مجموعة من الأعشاب النوبية مثل الكمون والقرفة والزنجبيل، ثم يُسكب على لوح حديدي دائري يعرف محلياً باسم “الدوكة” ليُطهى على هيئة فطائر رقيقة وجافة.
وبعد تجفيف هذه الفطائر، يتم تكسيرها إلى رقائق صغيرة تُحفظ حتى موعد الاستخدام. وقبل الإفطار بدقائق تُخلط هذه الرقائق مع عصائر مختلفة مثل الليمون أو البرتقال أو الكركديه، وأحياناً مع الخشاف وقطع الفاكهة الطازجة.
طقوس اجتماعية قبل رمضان
تحضير الأبريه لا يقتصر على كونه عملية طبخ، بل يتحول إلى مناسبة اجتماعية تتجمع خلالها سيدات النوبة في أجواء احتفالية لإعداد كميات كبيرة منه قبل حلول شهر رمضان.
كما جرت العادة على إرسال الأبريه كهدايا للأقارب والمعارف المقيمين خارج النوبة، في تعبير عن روابط المحبة والتواصل الاجتماعي بين أفراد المجتمع.
قيمة غذائية وفوائد صحية
إلى جانب مذاقه المميز، يتمتع الأبريه بفوائد غذائية مهمة تعود إلى عملية التخمير التي يمر بها.
وتشير دراسات غذائية إلى أن التخمير الطبيعي يعزز وجود البروبيوتيك المفيد لصحة الأمعاء، كما يساعد على تحسين عملية الهضم وامتصاص المعادن مثل الحديد والزنك.
أما دقيق الذرة، المكون الرئيسي للمشروب، فيعد مصدراً مهماً للطاقة بفضل احتوائه على الكربوهيدرات المعقدة، إضافة إلى مجموعة من الفيتامينات والمعادن مثل فيتامين B والمغنيسيوم والفوسفور والحديد.
وبفضل هذه الخصائص الغذائية، أصبح الأبريه ليس مجرد مشروب رمضاني تقليدي، بل جزءاً من هوية ثقافية وغذائية تعكس تمسك المجتمع النوبي بعاداته وتقاليده عبر الأجيال.