أصل تقسيم الوقت إلى 60 دقيقة و60 ثانية: كيف أثرت حضارات بلاد الرافدين في نظام الوقت الحديث
قرار اتخذ قبل آلاف السنين في حضارات بلاد الرافدين أدى إلى اعتماد نظام تقسيم الوقت إلى 60 دقيقة و60 ثانية، وهو النظام الذي ما زال العالم يستخدمه حتى اليوم.
لماذا تتكون الساعة من 60 دقيقة؟ الجواب يعود إلى تاريخ العراق القديم؟!
قرار غامض اتُّخذ قبل خمسة آلاف عام قاد مباشرةً إلى الطريقة التي ما زلنا نعدّ بها الوقت حتى اليوم، رغم بعض الاستثناءات المحدودة.
في أكتوبر/تشرين الأول 1793، شرعت الجمهورية الفرنسية، التي كانت قد تأسست حديثاً، في تجربة لم يُكتب لها النجاح، إذ قررت تغيير نظام الوقت.
واعتمد النظام الثوري الفرنسي نظاماً يقضي بتقسيم اليوم إلى 10 ساعات بدلاً من 24، على أن تضم كل ساعة 100 دقيقة عشرية، تتكوّن بدورها من 100 ثانية عشرية.
وكان هذا النظام جزءاً من تقويم ثوري أوسع سعى إلى عقلنة بنية السنة ونزع طابعها المسيحي، بما في ذلك اعتماد أسبوع جديد من 10 أيام.
وسرعان ما بدأت عملية تحويل الساعات إلى النظام العشري، فثُبّتت ساعات عشرية في دور البلديات، وسُجّلت الأنشطة الرسمية باستخدام التقويم الجديد.
لكن هذا النظام سرعان ما بدأ يسبّب مشكلات عديدة، إذ تبيّن أن إعادة تصميم الساعات وتحويلها إلى التوقيت الجديد كانت شديدة التعقيد، كما أدى النظام إلى عزل فرنسا عن الدول المجاورة، ورفضه سكان الأرياف بسبب تقليل أيام الراحة.
وفي النهاية لم يستمر العمل بالتوقيت العشري سوى نحو 17 شهراً فقط.
لكن لفهم لماذا نقسم اليوم إلى 24 ساعة والساعة إلى 60 دقيقة والدقيقة إلى 60 ثانية، يجب العودة إلى حضارات العراق القديم.

نظام قائم على الرقم 60
تعود البداية إلى السومريين الذين عاشوا في بلاد ما بين النهرين بين 5300 و1940 قبل الميلاد، وهم من أوائل الحضارات التي أنشأت المدن.
وإلى جانب ابتكار الكتابة والري والمحراث، طور السومريون نظاماً عددياً قائماً على الرقم 60.
وتفسر إحدى النظريات ذلك بطريقة العد باستخدام مفاصل الأصابع، حيث يمكن عد 12 مفصلاً في اليد الواحدة واستخدام اليد الأخرى لتكرار العد حتى الوصول إلى 60.
ورغم عدم وجود دليل قاطع، فإن الرقم 60 يتميز بسهولة القسمة على أعداد كثيرة مثل: 1 و2 و3 و4 و5 و6 و10 و12 و15 و20 و30 و60
وهذا جعله عملياً في الحسابات الزراعية والتجارية وتقسيم الأراضي والضرائب.
أصل تقسيم اليوم
المصريون القدماء كانوا أول من قسّم اليوم إلى 12 ساعة، حيث استخدموا النجوم والمزولات الشمسية والساعات المائية.
ويُعتقد أن تقسيم اليوم إلى 12 ساعة لليل و12 ساعة للنهار أدى إلى نظام 24 ساعة الذي نستخدمه اليوم.

البابليون والدقائق
تبنى البابليون النظام الستيني وطوروا التقويم الفلكي.
وقسموا الوقت الفلكي إلى وحدات أصغر حتى ظهرت مفاهيم الدقائق والثواني، لكنها كانت تستخدم في الحسابات الفلكية وليس في الحياة اليومية.
انتقال النظام إلى اليونان
اعتمد اليونانيون النظام البابلي لأنه سمح لهم بإضافة الملاحظات الفلكية بسهولة.
ومع مرور الزمن انتقلت مفاهيم الساعات والدقائق والثواني عبر العالم الهلنستي إلى أوروبا.
ظهور الثواني والساعات الدقيقة
لم تصبح الدقائق والثواني مستخدمة يومياً إلا قبل بضعة قرون، مع تطور الساعات الميكانيكية.
وفي القرن العشرين ظهرت الساعات الذرية التي أعادت تعريف الثانية بدقة اعتماداً على ذرات السيزيوم.
واليوم تعتمد أنظمة الإنترنت وGPS والتصوير الطبي على هذا التوقيت الدقيق.
لماذا بقي نظام 60؟
رغم محاولة فرنسا فرض النظام العشري للوقت، فشل المشروع لأنه غير عملي.
واستمر النظام الستيني لأنه:
عملي في الحسابات
متجذر تاريخياً
مرتبط بالعلوم والفلك
معتمد عالمياً
وفي النهاية، تبقى الساعات والدقائق والثواني نتيجة قرارات بشرية قديمة استمرت عبر القرون لأنها كانت فعالة ومفيدة.