انباء عدن
إعلان

من رواندا: بين الضحية والجاني… حين يصبح الغفران مشروع دولة

المصدر: فيسبوك 13 فبراير 2026 - 09:07 مساءً
من رواندا: بين الضحية والجاني… حين يصبح الغفران مشروع دولة

 

رشا كافي

هذا الرجل الذي أقف إلى جانبه قُتلت أمه أثناء مجزرة الإبادة الرواندية عام 1994 على يد الرجل الذي يقف إلى جواره الآن. كان حينها طفلًا في الرابعة أو الخامسة من عمره، واليوم يقفان معاً، يلتقطان صورة بعد جلسة استماع جمعتهما بنا كوفد زائر يدرس هذه التجربة الفريدة في النهوض من بين ركام واحدة من أبشع المآسي في التاريخ الحديث.

ليست الصورة مجرد لحظة عابرة، بل اختزال مكثف لمعنى السلام حين يتحول من شعار إلى ممارسة، ومن خطاب إلى سلوك يومي.

التجربة الرواندية في الوصول إلى السلام ليست فقط الأغرب، بل ربما الأكثر سمواً وإنسانية أن يسامح الطرف المذبوح  ممثلاً بالجبهة الوطنية الرواندية التي آلت إليها السلطة بعد المجزرة  وهو في موقع القوة، هو ذروة النبل السياسي والحكمة الأخلاقية. فالانتقام لا يلد إلا انتقاماً ، والدم لا يجر إلا دماً، ولو اختارت القيادة الجديدة طريق الثأر، لتحولت البلاد إلى دائرة مغلقة من الكراهية، لكن قرارها كان مختلفاً كسر الحلقة، لا إدارتها.

غير أن التسامح في رواندا لم يكن عاطفة طارئة، بل كان مشروع دولة متكاملاً، فقد أدركت القيادة أن السلام لا يُبنى على النسيان، بل على العدالة، لذلك فُعل القانون بحزم، وتمت ملاحقة المسؤولين عن الجرائم عبر القضاء الوطني والدولي، تأكيداً لمبدأ عدم الإفلات من العقاب في المقابل، أُغلق باب الانتقام الفردي، فكل من يقتص لنفسه ينال جزاءه، وهنا كانت الرسالة واضحة العدالة مسؤولية الدولة، لا الأفراد بهذه المعادلة حُوصرت الرغبة في الثأر، وتم تحويل الألم إلى مسار قانوني منظم، يمنع انفجار المجتمع من الداخل.

ومن قلب هذا المسار برزت محاكم "الجاتشاتشا"، التي لم تكن مجرد آلية قضائية، بل تجربة اجتماعية عميقة فكلمة "جاتشاتشا" تعني الجلوس على العشب، حيث يجتمع أهل القرية في فضاء مفتوح، يستمعون إلى الاعترافات، ويواجه الجاني ضحاياه ومجتمعه، ويُمنح المجال للاعتراف والندم، مقابل تخفيف العقوبة أحياناً، لقد حاكمت هذه المحاكم مئات الآلاف من القضايا، لكنها في جوهرها لم تكن فقط لإصدار الأحكام، بل لإعادة نسج النسيج الاجتماعي الذي تمزق، العدالة هنا لم تأتِ من برج عالٍ، بل من القاعدة، من الناس أنفسهم وهكذا بدأ السلام من الأسفل، لا من قمة الهرم.

ولأن السلام لا يعيش في النصوص القانونية وحدها، استحضرت رواندا عناصرها الثقافية العميقة لتجعلها أدوات مصالحة، فالبقرة في الثقافة الرواندية ليست مجرد ثروة حيوانية، بل رمز الكرامة والعطاء والارتباط الاجتماعي، ولها بعد شبه مقدس في الوعي الجمعي، ومن هنا جاء برنامج تقاسم الأبقار بين الأسر، بما في ذلك بين عائلات الضحايا والجناة، أن تمنح بقرة لمن كان عدواً بالأمس، فذلك ليس دعماً اقتصادياً فحسب، بل إعلاناً رمزياً بأن الحياة المشتركة أقوى من الماضي، الذي صُنف فيه الرواندين على من يملك أبقار أكثر ينتمي الى قبيلة التوتسي بينما من لا يملك أبقار هو من قبيلة الهوتو التي ذبحت الأخرى، فالحليب الذي يُشرب من بقرة مُهداة هو في معناه الأعمق شراكة في العيش، لا تذكيراً بالدم، لقد تحول العطاء إلى أداة علاج، وصار الاقتصاد جزءاً من المصالحة، لا منفصلاً عنها.

كما أدركت رواندا أن تركيز السلطة في يد المركز كان أحد عوامل الهشاشة التاريخية، فاختارت اللامركزية نهجاً في الحكم، جرى نقل صلاحيات واسعة إلى المستويات المحلية، وأصبح المواطن شريكاً مباشراً في إدارة شؤونه، ومن بين أبرز تجليات ذلك الحوار الوطني السنوي، حيث يشارك المواطنون في مساءلة الحكومة والوزراء علناً وتُطرح الأسئلة دون وسائط، ويُقيَّم الأداء بوضوح، الوزير الذي يثبت ضعف إنجازه لا يُحمى بموقعه، بل يُحاسب، هكذا تحولت الشفافية والمساءلة من شعارات إلى ممارسة سياسية راسخة.

إن ما يميز التجربة الرواندية ليس فقط قدرتها على تجاوز الإبادة، بل قدرتها على تحويل الألم إلى بنية مؤسساتية تمنع تكراره، ثقافة القيادة انعكست على الناس، فصار التسامح خياراً واعياً لا ضعفاً، وصارت العدالة إطاراً يحمي الجميع، وصارت المشاركة الشعبية صمام أمان للدولة.

في قرية المصالحة ميبو عندما سألنا ذلك الرجل  الذي فقد أمه على يد من يقف اليوم إلى جواره لماذا سامحت؟ أجاب ببساطة: "حتى أتخفف أنا من الحقد والعبء الثقيل الذي في داخلي، وأستطيع أن أعيش". في تلك العبارة تختصر رواندا فلسفتها بأكملها: التسامح ليس من أجل الجاني فقط، بل لتحرير الضحية من أسر الماضي. هذه الصورة التي أرفقها ليست توثيقاً للقاء عابر، بل شهادة على أن السلام ممكن، حين تتوافر قيادة تترفع عن الانتقام، وقانون يُنفذ بعدل، ومجتمع يختار الحياة، وثقافة تُعيد تعريف الرموز من أدوات انقسام إلى جسور تعايش. هكذا نهضت رواندا من تحت الركام، لا لأنها نسيت، بل لأنها قررت أن تبني.

شارك الخبر:

أخبار ذات صلة