الدكتور محمد علوي أمزربة… كما عرفته عن قرب
الجزء الأول
في يوم خريفي من عام 2024م، كنت أتمشى مع أحد الأصدقاء في نادي الصيد بالقاهرة. قادنا الحديث إلى رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، فأخذ صديقي يتحدث باعتزاز عن علاقته به، وما يجمعهما من مودة واحترام، معبّرًا عن ثقته بمواقفه وحسن تقديره للرجال.
قلت له يومها: «لا تستعجل».
وهي عبارة اعتدت أن أقولها لأصدقائي المقربين حين أرى أن حسن الظن يسبق اختبار المواقف؛ فالتجربة علمتني أن معرفة الرجال تكتمل عند اختلاف المصالح، وفي اللحظات التي يصبح فيها الإنصاف موقفًا ومسؤولية.
ولم يمضِ وقت طويل حتى واجه صديقي من المواقف ما خالف توقعاته، وما رأيت فيه إجحافًا بحقه، لا تسوّغه الاعتبارات الإدارية ولا ينسجم مع مقتضيات الوفاء.
تذكرت ذلك وأنا أتابع ما جرى للأخ والصديق المحترم، الدكتور محمد علوي أمزربة، الذي طالما سمعته يثني على حصافة الرئيس ورجاحة عقله، ويتحدث بأمل عن مستقبل ميناء عدن في ظل قيادته، وبالتعاون مع رؤساء الحكومات المتعاقبين ووزراء النقل.
كان يحمل ثقة كبيرة بأن الميناء مقبل على مرحلة أكثر استقرارًا وتطورًا، وأن الجهد المخلص سيجد التقدير الذي يستحقه. وقد عرفت في هذا التفاؤل جانبًا من طبعه: حسن الظن، واحترام الآخرين، والرغبة الصادقة في العمل معهم لما فيه مصلحة المؤسسة.
لكن شهادتي في محمد علوي أمزربة بدأت قبل هذه الأحداث بسنوات طويلة.
عرفته للمرة الأولى في منتصف عام 2011م، عندما زارني في مكتبي للتقدم إلى برنامج الماجستير في إدارة الأعمال. دخل شاب لبق، حسن الهيئة، هادئ الحضور، تبدو عليه مسحة من الخجل، ويتحدث بأدب وبساطة ووضوح.
عرّفني بنفسه بتواضع، وقدّم ملفه متضمنًا الوثائق المطلوبة. تسلمت الملف لمراجعته، ووعدته بالرد خلال يومين. بقي ذلك اللقاء في ذاكرتي بما اتسم به من احترام وهدوء، وبما تركه صاحبه من انطباع طيب.
وكان لاسم «أمزربة» وقع خاص عند أبناء جيلنا؛ لارتباطه بأسرة مناضلة، عُرف عدد من رموزها بالشجاعة والصفات القيادية، وبحضورهم في جيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. ولهذا الاسم مكانته في ذاكرتي أيضًا، بحكم انتمائي في مرحلة سابقة من حياتي إلى الكلية العسكرية في أوج عطائها.
وكان علوي أمزربة وشقيقه محمد من قيادات قوات الردع اليمنية العاملة في لبنان، التي أبلت بلاءً شهد به من عرف تجربتها.
وبعد مراجعة ملف محمد علوي أمزربة، وافقنا على التحاقه ببرنامج الماجستير الأكاديمي، شريطة استيفاء متطلبات المعادلة في بعض المساقات الأساسية لإدارة الأعمال.
ومنذ التحاقه بالبرنامج، تميز بانضباطه الشديد في الحضور، وحرصه على إنجاز التكليفات الدراسية والأكاديمية، وحسن تعامله مع أساتذته وزملائه وإدارة القسم والكلية.
وكان لهذا الالتزام دلالته؛ فقد كان يجمع بين الدراسة ومسؤوليات عمله نائبًا للمدير العام لمؤسسة موانئ عدن للشؤون المالية والإدارية. ومع ما يفرضه ذلك من أعباء، ظل حريصًا على الوفاء بمتطلبات دراسته واحترام مواعيدها.
أنهى الماجستير بتميز، وفي المدة القانونية المقررة، ثم لم يمضِ وقت طويل حتى عاد إليّ بطلب الالتحاق ببرنامج الدكتوراه.
صارحته يومها بأن الطريق سيكون مرهقًا، وأن الجمع بين متطلبات البحث العلمي ومسؤوليات العمل يحتاج إلى جهد استثنائي؛ خصوصًا بعدما تولى رئاسة مجلس الإدارة والإدارة العامة للمؤسسة، إلى جانب رئاسته مجلس إدارة شركة عدن لتطوير الموانئ.
لكنه كان واضحًا في عزمه، ووعد بأن يبذل كل ما يستطيع لتحقيق طموحه العلمي، مع الوفاء بمسؤولياته المهنية.
وقد وفى بما وعد، ومضى في طريقه بجدية وإصرار، حتى حقق هدفه على نحو يبعث على الفخر والاعتزاز.
هذه هي الصورة التي عرفتها عن قرب: طالب يحترم العلم وأهله، ومسؤول يدرك قيمة التأهيل، وإنسان حافظ على تواضعه وحسن تعامله مع الآخرين كلما اتسعت مسؤولياته.
ومن هذا الباب أكتب عنه؛ من معرفة امتدت سنوات، ومواقف عايشتها، ورحلة علمية تابعتها منذ بدايتها. وهي شهادة أرى أن من الإنصاف تسجيلها، وأن تبقى لصاحبها بصرف النظر عن موقعه الوظيفي أو تبدّل المناصب.
يتبع… الجزء الثاني.