شح السيولة في اليمن.. فئات نقدية صغيرة تربك الأسواق وتزيد معاناة المواطنين
عدن | عبدالإلاه سميح
مواجهة يومية مع الفئات الصغيرة
تقف اليمنية أم صلاح مشدوهة أمام واجهة أحد محلات الملابس في حيّ "كريتر" العتيق بعدن، بعد أن رفض البائع رزمة أوراقها النقدية كقيمة للسروال الذي اختارته لطفلها، بحجة أن عدّها يستغرق وقتًا طويلاً.
وبعد طول انتظار، تسلّم زوجها العسكري مؤخرًا راتب الشهرين المتأخرين من العام الماضي، غير أن المبلغ المحدود، الذي لا يغطي احتياجات الأسرة الضرورية، صُرف بالكامل من فئة 100 ريال (ما يعادل 7 سنتات أمريكية)، وهي أصغر الفئات النقدية وأقلها تداولا في السوق المحلية.
ورغم ضيق الحال، لا تبدو أم صلاح مستعدة لحرمان أطفالها الثلاثة من فرحة الاستعداد لعيد الفطر بملابس جديدة، بعد أن اضطرت العائلة إلى اجتياز شهر رمضان بأقل قدر ممكن من المتطلبات المعيشية، في ظل انقطاع مرتبات موظفي قطاعات الدولة لأشهر متتالية، مؤكدة أنها ستواصل البحث بين المتاجر لعله تجد من يقبل رزم المال الذي تحمله.
اضطراب واسع في الأسواق
ويعكس المشهد، الذي بات متكررا في عدن والمناطق المجاورة، وجها إنسانيا لأزمة نقدية خانقة تضرب الاقتصاد اليمني، إذ لم تعد التحديات المعيشية تواجه المعدمين وذوي الدخل المحدود فحسب، بل يتسع نطاق أثرها ليشمل مختلف طبقات المجتمع، نتيجة شح الفئات الكبرى من الريال اليمني ونوعية النقود المتوفرة وعدم قابليتها للتداول.
وفي محاولة لمواجهة الأزمة الحالية، ضخّ البنك المركزي اليمني مؤخرًا كميات كبيرة من العملة المحلية من فئة 100 ريال، غير أن هذا الإجراء فاقم من حجم الإرباك في التعاملات التجارية اليومية.
وامتنع عدد كبير من التجار وشركات الصرافة عن قبول هذه الفئة الصغيرة، بحجة صعوبة تداولها في المعاملات البسيطة التي أصبحت تتطلب كميات كبيرة من الأوراق النقدية لإتمام عمليات البيع والشراء؛ ما حوّل السيولة المتاحة نظريًا إلى كتلة نقدية شبه معطّلة داخل الدورة الاقتصادية.
وعبر الكثير من اليمنيين على منصات التواصل الاجتماعي عن استيائهم من موجة الاضطراب النقدي المتزامنة مع ذروة الموسم التجاري، وتعدد القيود المفروضة على سحب أموالهم من البنوك وشركات الصرافة، إلى جانب السقف المحدود لتحويل مدخراتهم من العملات الأجنبية إلى العملة المحلية، التي تكون غالبًا بفئات نقدية غير مرغوبة.
أسباب الأزمة
ورأى المحلل الاقتصادي، ماجد الداعري، أن الأزمة الجارية تعود إلى ثلاثة أسباب رئيسة، يأتي في مقدمتها "عجز البنك المركزي عن إدارة السياسة النقدية وخلق توازن بين العملة الأجنبية المتراكمة والريال اليمني الذي اختفى من السوق".
وأوضح أن العامل الآخر يتمثل في تراخي الحكومة في تحصيل الموارد السيادية على مستوى المؤسسات والمحافظات، فضلاً عن استمرار مظاهر الفساد واتساعها، "الأمر الذي يحرم المركزي اليمني من عودة الدورة المالية إلى خزائنه بالشكل الطبيعي".
وأشار إلى تلاعب بعض البنوك والصرافين وكبار التجار، الذين يتعمدون إخفاء العملة المحلية رغم وجود قرابة 3 تريليونات ريال من الفئات النقدية الجديدة، مرجحًا أن يكون ذلك مرتبطًا بتوقعاتهم بتحسن قيمة الريال المحلي على ضوء الترتيبات السياسية الأخيرة، "وهو ما يحاولون استغلاله لتعويض خسائر مضارباتهم السابقة في سوق الصرف".
وبيّن الداعري أن هذه الاضطرابات في المنظومة النقدية تعطل الحركة التجارية وتضعف قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه الموظفين.
تدخلات غائبة
من جهته، رأى رئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، مصطفى نصر، أن البنك المركزي مطالب بتبني معالجات نقدية مبكرة ومبتكرة لاحتواء الأزمة، مع ضرورة توفير دعم حكومي كامل لإيقاف ما وصفه بـ"حالة العبث" القائمة في السوق النقدية.
وشدد على أهمية اضطلاع المركزي اليمني ووزارة المالية والجهات الحكومية بمسؤولياتها في ضبط السياسة النقدية والمالية، والعمل على إعادة الدورة النقدية إلى مسارها الطبيعي، إلى جانب اتخاذ إجراءات فعّالة لسحب الأموال المخزّنة خارج الجهاز المصرفي.
وأكد نصر أن عدم توفر السيولة يعد أحد أبرز مؤشرات الاختلال في السياسات النقدية، وقد يشكل مدخلاً لموجة جديدة من المضاربة بالعملات، مؤكداً أن البنك المركزي يمتلك الأدوات الكافية للتعامل مع مثل هذه الأزمات، غير أن نجاح ذلك مرهون بمدى فاعلية تدخلاته وسرعة تنفيذها.
ونوّه إلى أن التعامل بالفئات النقدية الكبيرة أو الصغيرة يظل أمراً ملزماً قانونياً، لكنه يرى أن دفع كميات كبيرة من فئتي 100 و200 ريال وحده، دون تدخلات جذرية، "لن يكون كافياً لإنهاء الاختلالات القائمة في السوق".ال:
.
المصدر: نقلًا عن إرم نيوز