بعد 288 يوماً في الفضاء.. تأثيرات صادمة على جسم رائدي ناسا بعد العودة إلى الأرض
في واحدة من أبرز التجارب العلمية الحديثة، تحولت مهمة فضائية قصيرة إلى إقامة طويلة امتدت 288 يوماً، ما أتاح للعلماء فرصة نادرة لدراسة التأثيرات العميقة لانعدام الجاذبية على جسم الإنسان، بعد عودة رائدي الفضاء سوني ويليامز وبوتش ويلمور إلى الأرض.
وبدأت الرحلة في يونيو 2024 على متن كبسولة “ستارلاينر كاليبسو” التابعة لشركة بوينغ، ضمن مهمة لاختبار نظام النقل المأهول إلى محطة الفضاء الدولية، إلا أن خللاً تقنياً أصاب عدداً من محركات الدفع أثناء الاقتراب من المحطة، ما دفع وكالة ناسا إلى إعادة الكبسولة دون طاقم وترك الرائدين في المدار.
وخلال فترة بقائهما على متن محطة الفضاء الدولية حتى مارس 2025، عاش الرائدان في بيئة انعدام جاذبية على ارتفاع يقارب 354 كيلومتراً، حيث تدور المحطة حول الأرض كل 90 دقيقة، وهو ما أدى إلى تغيّرات فسيولوجية وعصبية معقدة في جسديهما.
وأظهرت الدراسات أن انعدام الجاذبية يؤثر بشكل مباشر على الجهاز العصبي والتوازن والقدرة الحركية، إضافة إلى وظائف الدماغ، مع احتمال استمرار بعض هذه التأثيرات لفترات طويلة بعد العودة.
كما تسبب غياب الجاذبية في إعادة توزيع سوائل الجسم نحو الجزء العلوي، وانخفاض حجم الدم، إلى جانب تراجع الكتلة العضلية للقلب، في حين تعرضت عضلات الساقين لضمور ملحوظ قد يصل إلى فقدان 20% من قوتها خلال أسابيع.
وسُجل أيضاً فقدان تدريجي في كثافة العظام بمعدل يتراوح بين 1% و2% شهرياً، ما يعادل معدلات مرتفعة مقارنة بهشاشة العظام على الأرض، وهو ما يفسر صعوبة الحركة التي يواجهها الرواد فور عودتهم.
وفي جانب آخر، أدى انتقال السوائل إلى الرأس إلى زيادة الضغط داخل الجمجمة، ما تسبب باضطرابات بصرية تُعرف بمتلازمة العين المرتبطة بالفضاء، والتي قد تستمر آثارها لفترات طويلة لدى بعض الرواد.
ورغم التزام الطاقم ببرنامج تمارين يومي مكثف داخل المحطة، إلا أن ذلك لم يمنع تدهور الكتلة العضلية والعظمية، بل ساهم فقط في تقليل حدته.
وعقب عودتهما إلى الأرض على متن كبسولة “دراغون” التابعة لشركة سبيس إكس في مارس 2025، خضع الرائدان لبرنامج تأهيل طبي استمر 45 يوماً، شمل استعادة اللياقة البدنية والتوازن العصبي، فيما قد تمتد بعض مراحل التعافي لأشهر أو حتى سنوات.
كما تعرض الرواد خلال المهمة لمستويات مرتفعة من الإشعاع الكوني، ما يرفع من احتمالات المخاطر الصحية طويلة الأمد، بما في ذلك التأثير على الجهاز العصبي وزيادة خطر الإصابة ببعض الأمراض.
وتعد هذه المهمة واحدة من أكثر التجارب شمولاً في تاريخ استكشاف الفضاء، إذ قدمت بيانات علمية مهمة حول حدود قدرة جسم الإنسان على التكيف مع بيئة الفضاء، ما يعزز من فرص التخطيط لرحلات طويلة مستقبلاً، خاصة إلى كوكب المريخ.