انباء عدن
إعلان

الفقر امتحان… والغنى فتنة

02 مارس 2026 - 02:41 مساءً

 

اعتاد الناس أن يربطوا الحسد بالفقر، وأن يظنوا أن الحرمان هو البيئة الوحيدة التي تنبت فيها مشاعر الضغينة، غير أن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. فالنفس الأمارة بالسوء لا تفرق بين غني وفقير، بل تبحث عن مدخلها حيثما وُجد ضعف الإيمان واضطراب القيم.

 

فالفقير حين تشتد به الحاجة، وتضيق عليه السبل، قد تهاجمه وساوس اليأس، وقد يدفعه الشيطان إلى مقارنة حاله بحال غيره، فيحزن أو يحسد أو يعترض، وهنا يكون الامتحان شديدا لان القناعة مع الفقر، والرضا مع العوز مراتب إيمانية لا يبلغها إلا من ربط قلبه بالله، لا بما في أيدي الناس.

 

لكن العجب كل العجب أن يظهر حسد من نوع آخر، لا يصدر عن معدم يشكو الحاجة، بل عن غني أغرقته الدنيا بزينتها، ومنحته المال والجاه والسلطة، ثم سلبته في المقابل نور القلب وطمأنينة الروح. هذا الغني لا يحسد الفقير على مال أو منصب، بل يحسده على نقائه، واستقامته، وتمسكه بدينه ومبادئه.

 

يحسدونه لأنهم يرون فيه ما فقدوه، ويشعرون بوجوده كاتهام صامت لهم. فقير ينام قرير العين، وغنيٌ يتقلب على فراش القلق. فقير يرفع رأسه بعزة الإيمان، وغني يخفضه بذنوب المعاصي... عندها تتحول الغيرة إلى ضغينة، وتتحول الضغينة إلى رغبة في الإفساد؛ فيتمنون لو أن هذا الفقير يسقط، أو ينحرف، أو يتلوث كما تلوثوا، ليشعروا أن ما فعلوه كان “طبيعيا” لا مفر منه.

 

وهنا مكمن الخطر؛ فليس كل من أوتي مالا أو سلطة ناجيا، وليس كل من ضُيق عليه في الرزق خاسرا. الخسارة الحقيقية هي أن يُباع الدين بثمن بخس، وأن تُستبدل القيم بالمصالح، وأن تُطفأ شعلة الضمير في القلب.

شارك المقال:

مقالات أخرى للكاتب