من عبور الفاتحين... إلى هروب اللاجئين
ثمة مشاهد لا يغيّر الزمن صورتها بقدر ما يغيّر دوافعها. فالعبور ظل حاضرًا في صفحات التاريخ، لكن الغاية منه تبدلت بين زمن وآخر. كان يومًا عبورًا يصنع المجد، ويحمل رسالة الإيمان، ويكتب للأمم صفحات من العزة والكرامة، ثم أصبح في حاضرنا هروبًا مثقلًا بالخوف وضيق العيش، تقوده قوارب النجاة أكثر مما ترفعه رايات النصر. وبين هذين المشهدين تتجلى قصة الإنسان؛ حين يصنعه العدل قائدًا فاتحًا، وحين يدفعه الظلم إلى أن يصبح لاجئًا يبحث عن وطن يصون كرامته.
في الأزمنة الخالدة، لم يكن العبور هربًا من خوف أو بحثًا عن لقمة عيش أو مأوى، بل كان انطلاقًا بروح مؤمنة، واعية برسالتها، تمضي إلى إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة. كان عبورًا غيّر مجرى التاريخ، وأقام دعائم حضارة امتدت آثارها عبر القرون، ونشر نور الإسلام في بقاع كانت ترزح تحت ظلمات الجهل والفساد. يومها كان الإنسان يحمل وطنه في قلبه، ورسالته على عاتقه، مؤمنًا بأن التضحية هي الطريق إلى صناعة الحضارات وحفظ كرامة الأمم.
واليوم يتكرر مشهد العبور، لكنه يحمل وجهًا مختلفًا تمامًا. لم يعد عبورًا تصنعه البطولات، بل تفرضه المآسي. يعبر الناس الحدود والبحار هربًا من الحروب والجوع والظلم، بحثًا عن مأوى آمن وعيش كريم. وقد يختلف الناس في تفسير الأسباب أو فيمن يقف وراء الأزمات، لكن الحقيقة التي لا خلاف عليها أن الظلم يبقى الشرارة الأولى لكل انهيار، وأن الإنسان لا يغادر أرضه التي أحبها إلا إذا ضاقت به الحياة، وفقد فيها أمنه وكرامته ومستقبله.
وحين يتحول الرحيل إلى مشهد جماعي، وتعج البحار بقوارب الهاربين، فذلك دليل على خلل عميق في منظومة العدالة، وعلى فساد يلتهم الحقوق، وامتهان لإنسانية الإنسان، وأكل لأموال الناس بالباطل. ولهذا جاء التحذير الإلهي واضحًا في الحديث القدسي الذي رواه النبي ﷺ عن ربه عز وجل: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرّمًا؛ فلا تظالموا». فما سقطت أمة إلا عندما استهانت بالعدل، ولا نزف وطن أبناءه إلا حين أصبح الظلم فيه واقعًا يوميًا، وإن لم يُكتب في القوانين.
إن الفارق الحقيقي بين عبور الفاتحين وهروب اللاجئين ليس في البحر ولا في الطريق، وإنما في العدالة التي تحفظ للإنسان حقه وكرامته داخل وطنه. فإذا حضر العدل استقرت الأوطان، وازدهرت المجتمعات، وتشبث الناس بأرضهم. أما إذا غاب، فلن يبقى أمام كثيرين سوى طريق الرحيل، يحملون أوطانهم في ذاكرتهم، ويبحثون عن كرامة افتقدوها في ديارهم.