بيت قسمي كما الناس ..
أ.د مهدي دبان
مضى قطار العمر، وذهبت أحلى أيامنا وأفضل لياليه، ونحن واقفون في محطات العطاء سندا للأجيال جيلاً بعد جيل...ثمانية وعشرون عاماً في حقل التدريس ولو أننا مررنا بحقول ألغام لكان أهون... تعلمنا وعلمنا، اجتهدنا فأصبنا وأخطأنا، لكن يشفع لنا أن نيتنا كانت تحمل الكثير من الحب والخير للأجيال ولهذا الوطن. كنا نؤمن أن خدمة العلم شرف، وأن بناء العقول أعظم من بناء الحجر، وأن الوطن الذي نزرع فيه المعرفة سيحفظ لنا بعض الظل حين يدنو خريف العمر.
لكن المهنة التي أحببناها كسرت ظهورنا وأحنتها، ونشفت حلوقنا، وأرهقت أعصابنا ومشاعرنا، وأعمت عيوننا من طول السهر، وأحيانا حطمت نفسياتنا. وآخر تلك الإحباطات – وليست لها نهاية – أنني حاولت إدخال الكهرباء والماء بصورة رسمية مثل بقية بيوت المدينة. بيتي رسمي، في مخطط تابع لجامعة عدن، مصروف لأعضاء هيئة التدريس والموظفين، وفوجئت بأن المبلغ المطلوب يتجاوز الثلاثة ملايين والنصف؛ اثنان ونصف للكهرباء، والمليون الأخير تكلفة إدخال الماء! أصحاب المياه يسألون: كم متر مربع البيت؟ والكهرباء تؤكد أن المخطط جديد والكلفة المشتركة عالية، رغم أن الناس ساكنه فيه لها أكثر من خمسة وعشرين سنة.... أي مفارقة هذه التي تجعل بيت أستاذ قضى عمره في التعليم عاجزا عن توفير ابسط مقومات الحياة!!!
وطن لا يستطيع بروفيسور يعمل في أرقى مرافق المدينة، يحترق يوميا ليعلم أبناء الشعب، أن يدخل الماء والكهرباء إلى بيته بصورة رسمية… ولم يشفع له كل ما قدم... أعرف أن مشكلتي ليست خاصة بل عامة، وجميع موظفي الدولة يعانون منها. لا نريد أن تقسموا لنا مناصبكم ولا أرصدتكم التي تكدسونها في البنوك أو تتجولون بها حول العالم؛ نريد أن نعيش بسلام، بأبسط مقومات الحياة. لا تنسوا أننا معكم… بل من علمكم، ومن زرع فيكم أول حرف وأول فكرة وأول حلم.