كيف تحول انتصار الانتقالي في يناير إلى مكسب سياسي للشرعية؟
ومع ذلك ظلت ثمة بوادر بانفراجة مبشّــرة بتبديد ليل العتمة الحالك، بالمجال الإنساني - على الأقل - توقِفُ معها رحى هذه الحرب الطاحنة.
انتصار المهزوم!
فبعد مرور ثلاثة أسابيع من شهر يناير دخل الجنوب وعدن تحديداً في صقيع الصراعات والاشتباكات المسلحة القاسية بين قوى ذات ولاء جنوبي وبين قوات ألوية عسكرية موالية للسلطة اليمينة المعترف بها دولياً «الشرعية» -ألوية الحرس الرئاسي- على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية واحتدام الخلاف السياسي، الذي غُــلِّــفَ بغلافٍ اقتصادي معيشي بين حكومة المقال بن دغر وقوى جنوبية يتقدمها «المجلس الانتقالي الجنوبي»، أفضت تلك الاشتباكات إلى نتيجة بقدر ما كانت مؤلمة فهي غريبة بختامها، بانتصار عسكري لـ«الانتقالي»، وانتصار سياسي لـ«الشرعية» المهزومة، بعد أن استطاع الأول حسم الوضع العسكري لمصلحته قبل أن يتم فرملة تقدمه صوب المعقل الأخير لمقر الرئاسة والحكومة في «منتجع معاشيق» بفيتو خليجي- سعودي، ليتبدد بعد ذلك النصر العسكري ويضمحل تماماً، بل ويتحول إلى انتكاسة جنوبية سياسية صريحة بعد أن رمَـتْ السعودية بكل ثقلها بوجه «الانتقالي» ولمصلحة «الشرعية»، ليتحوّل الأمر إلى نصر سياسي للطرف المهزوم عسكرياً، وهزيمة سياسية للطرف المنتصر عسكرياً، في مفارقة غريبة قلّ أن نجد لها نظير.
تحديات كثيرة
في ظل هذه التطورات، بدت الأمور وكأن ثمة صفقة قد تمت بين هذه الأطراف، انتهت بموافقة هادي على إزاحة بن دغر الذي كان يخوض معه أزمة حزبية صامته، وهو، أي بن دغر، في ذات الوقت الخصم اللدود اللانتقالي، بعد أن استطاعتْ زيارة نائب رئيس الوزراء وزير الداخلية أحمد الميسري - وهو المقرّب من الرئيس هادي - إلى أبوظبي في 31 مايو 2018م، من تلطيف الأجواء بين هذا الأخير والإمارات.
صدمة «الانتقالي»
وفوق هذا، فالأشد وطأة في الشعور الجنوبي من قرار استبعاده من هذه المشاورات، هو أن هذا القرار لم يأت من الطرف الذي يقاتله الجنوب والمتمثل بـ«أنصار الله» بل من أقرب شركائه «التحالف» و«الشرعية». كما أن قرار الاستبعاد هذا لم يكن رغبة أممية كما يقول «التحالف» و«الشرعية»، فالأمم المتحدة في الآونة الأخيرة كانت أكثر قُرباً وتفهّماً للقضية الجنوبية من أي وقتٍ مضى، ومبعوثها الأممي الجديد كان أكثر حماسة لإشراك الطرف الجنوبي في أي مشاورات ومفاوضات، وقد ظهرَ ذلك واضحاً في تصريحاته ولقاءاته المتكررة بقيادات «الانتقالي»، والذي كان أبرزها لقائيّ 9 أبريل و30 أغسطس 2018م، مع رئيس «المجلس» عيدروس الزبيدي، وبعض قياداته.
«التحالف» و«الشرعية» ضد الجنوب!
فلم يكن موقف «التحالف» و«الشرعية» المناوئ لأية مشاركة جنوبية بهذه المشاورات بحاجة لدليل لنكتشفه به، فيكفي أن نستمع لخطابها المتمسك بما يسمونها «مرجعيات حل الأزمة اليمنية الثلاث»: المبادرة الخليجية ومخرجات حوار صنعاء وقرار مجلس الأمن 2216. فهذه المرجعيات التي صاغت معظم بنودها السعودية، اقتلعت ببنودها القضية الجنوبية من جذورها. زد على ذلك أنه في 13/08/2018م نظّمتْ الأمانة العامة لـ«مجلس التعاون الخليجي» برئاسة أمين عام المجلس عبد اللطيف بن راشد الزياني، في الرياض وبحضور رئيس الحكومة اليمنية حينها بن دغر، مؤتمراً بعنوان: «مرجعيات الحل السياسي للأزمة اليمنية».
زلزال الأزمة الإنسانية
وفوق ما في المشهد السياسي اليمني من قتامة وضبابية واستمرار بقاء الجنوب ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية واشتداد وتيرة الهيمنة والنفوذ الاقليمي باليمن، حدثَ «زلزال سياسي مدمّــر» ضرب الرياض وأبو ظبي، كان مركزه اليمن، حين دخل الجانب الإنساني والحقوقي بالأزمة اليمنية على طول الخط بقوة من أوسع الأبواب، بوابة الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان التابع له، فضلاً عن بوابات المنظمات الحقوقية الدولية المختلفة، والذي كان أبرزه وأشد خطورة ذلك التقرير الحقوقي الذي أصدره مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة نهاية أغسطس والمكوّن من 41 ورقة، و اتهم فيه صراحة التحالف وقوات تابعة لـ«الشرعية» بارتكاب جرائم حرب وفظائع من انتهاكات وقتل وإخفاء وتعذيب، وتجويع ومحاصرة ملايين الناس، مُطالباً بمحاكمة الجناة بأقرب وقت ممكن.
الزلزال الشعبي
وصرخت الجماهير بأعلى صوتها بوجه «التحالف» مطالبة برحيله عن الجنوب فوراً، بصفته «قوة احتلال ومساند ظالم للشرعية وحكومتها الفاشلة».
وبلغت درجة الرفض الشعبي الجنوبي مستوى قياسي من الجُــرأة، أثارت دهشة القيادات الخليجية في الرياض وأبوظبي، وهي تشاهد هذه الجموع تمزق صورها الأنيقة المنتشرة بكل الطرقات والشوارع الرئيسية في عدن والمكلا، وتحرق لوحات الدعاية المرفوعة فوق صورها، وتمزق عبارات الثناء والمديح لها. هذا المشهد خلط الأوراق في الجنوب بشكل كبير. وشكّــل ناقوس إنذار سُــمِعَ صوته صاعقاً في الآذان من حضرموت وعدن إلى الرياض وأبو ظبي. فوجد «المجلس الانتقالي الجنوبي» نفسه مشدوها به، وواقعاً بين حجرتي إحراج، لم يدرِ كيف السبيل للخروج من تحتها. فتارة يؤيد الاحتجاجات، وتارة يعزف عن المشاركة فيها، وتارة أخرى يخفف من لغة التأييد لها ويتراجع عن قرارات ثورية احتجاجية كان قد أصدرها في وجه سلطة الفساد والنهب والفشل، بحسب مفردات المجلس.ومثلما استهل عام 2018م شهره الأولى بصدمة في وجه الجنوب بالاشتباكات العسكرية، فقد طوى آخر شهوره بخيبة وصدمة جنوبية أخرى، حين تم استثناؤه بشكل فج وجائر من مشاورات السويد، من قِـبلِ الحلفاء قبل الخصوم. ومع ذلك يظل للأمل الجنوبي فسحة بعام جديد.. في القلوب على الأقل.
عن (العربي)