تعز في قلب التصعيد العسكري.. لماذا تمثل نقطة استراتيجية في حرب اليمن؟
تعز.. موقع استراتيجي في معادلة الحرب
تتصدر محافظة تعز المشهد العسكري في اليمن مع تجدد القتال بين الحوثيين والقوات الحكومية، وسط مساعٍ لتشديد الحصار على المدينة عبر قطع طريقها الرئيسي المؤدي جنوباً إلى عدن، في تطورات تنذر بتفاقم الأزمة الإنسانية وزيادة الضغوط على السكان.
وتكتسب تعز أهمية استراتيجية باعتبارها إحدى أبرز جبهات المواجهة في الحرب اليمنية، ومركزاً حضرياً رئيسياً للقوات المناهضة للحوثيين في المرتفعات الجنوبية، فضلاً عن إشرافها على طرق حيوية تربط مناطق سيطرة الحكومة بمدينة عدن والسهل الساحلي المحيط بمضيق باب المندب.
لماذا تحظى تعز بهذه الأهمية؟
يمثل أي تقدم عسكري للحوثيين في تعز، ثالث أكبر مدن اليمن، تحولاً مهماً في مسار الحرب المستمرة منذ سنوات، خصوصاً في ظل تجدد المواجهات بعد فترة من الهدوء النسبي.
وبحسب التقرير الذي نشره التلفزيون العربي نقلاً عن رويترز، يُقدّر عدد سكان المدينة بنحو 600 ألف نسمة، فيما أشارت مصادر حكومية إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان جراء المعارك الأخيرة.
وتقع تعز على خط المواجهة بين الحوثيين والقوات الحكومية منذ المراحل الأولى للحرب عام 2015، وظلت معقلاً رئيسياً لمعارضي الجماعة.
كما تمثل المدينة مركزاً حضرياً مهماً للقوات المناهضة للحوثيين في المرتفعات الجنوبية، وهي منطقة جبلية تطل على عدن، مقر الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وعلى السهل الساحلي المحيط بمضيق باب المندب.
ومن شأن سيطرة الحوثيين على تعز، إذا تحققت، أن تزيد صعوبة تحرك القوات الحكومية في محيط باب المندب، وتمنح الجماعة موقعاً أكثر تأثيراً في التوازنات العسكرية المحيطة بعدن.
كما قد تمثل هذه السيطرة انتكاسة عسكرية وسياسية للحكومة اليمنية والتحالف الذي تقوده السعودية ويدعم القوات المناهضة للحوثيين.
الوضع العسكري حول تعز
ظلت تعز لسنوات في الطرف الجنوبي من مناطق تسيطر عليها الحكومة اليمنية، وتمتد شمالاً باتجاه مناطق خاضعة للحوثيين.
ويسيطر الحوثيون على مناطق شمال المدينة وشرقها وغربها، بينما تسيطر القوات الحكومية على المدينة ومحيطها المباشر، بما في ذلك جبل صبر المطل على المدينة من الجنوب.
ومع تجدد القتال خلال الأسابيع الأخيرة، كثف الحوثيون تحركاتهم بهدف عزل تعز، من خلال السيطرة على مناطق جنوب جبل صبر وعلى الطريق المؤدي إلى عدن، الذي يمتد نحو 200 كيلومتر عبر تلال ومرتفعات وعرة، ما يجعل المعارك فيه بطيئة ومعقدة.
وأشار التقرير إلى أن أجزاء من الطريق أصبحت تحت سيطرة الحوثيين، بما فيها بلدة التربة ومديرية المسراخ بمحافظة تعز، الأمر الذي أدى، وفقاً للمعلومات الواردة فيه، إلى تشديد الحصار على المدينة منذ مطلع أكتوبر/تشرين الأول الجاري، بالتزامن مع قصف متقطع لمواقع حكومية داخل تعز ومحيطها.
في المقابل، تحاول القوات الحكومية، بدعم من غارات جوية للتحالف بقيادة السعودية، استعادة المناطق التي خسرتها وإعادة فتح الطريق الحيوي.
لكن القوات الحكومية، وفق التقرير، كانت حتى منتصف أكتوبر/تشرين الأول الجاري تواجه خسارة مواقع في محيط تعز بدلاً من استعادة المناطق التي فقدتها.
لماذا تعد تعز معقلاً لمعارضي الحوثيين؟
ترتبط تعز بتاريخ طويل من التوتر مع الحكام الذين تعاقبوا على شمال اليمن، وكانت من أبرز مراكز احتجاجات عام 2011 التي انتهت بالإطاحة بالرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح.
وفي عام 2014، تحالف صالح والحوثيون للسيطرة على العاصمة صنعاء، ما أدى إلى تعثر مسار الانتقال السياسي الذي أعقب احتجاجات عام 2011.
واستولت وحدات عسكرية موالية لصالح على مواقع في تعز مطلع عام 2015، وهو ما أدى إلى احتجاجات واسعة أعقبتها اشتباكات مسلحة، اتهم خلالها المحتجون صالح والحوثيين بتنفيذ انقلاب عسكري.
وعقب ذلك، اندلعت معارك عنيفة استمرت أشهراً داخل المدينة وحولها، بين الحوثيين ووحدات من الجيش الموالية لصالح من جهة، ومقاتلين محليين وألوية عسكرية داعمة للحكومة من جهة أخرى، قبل أن تتعرض المؤسسة العسكرية لمزيد من الانقسام.
وخلال تلك المرحلة، تعرض سكان تعز للقصف ونيران القناصة ونقص حاد في الإمدادات، في ظل حصار طويل، قبل أن تتمكن القوات الحكومية من إخراج الحوثيين وحلفائهم من المدينة وإعادة فتح طريق بري إلى عدن.
واستمر القتال خلال عام 2015 وفترات من عام 2016، فيما امتد الحصار لفترات طويلة حتى عام 2017.
التداعيات الإنسانية للمعارك
تثير المعارك المتجددة في تعز مخاوف متزايدة من تفاقم الأزمة الإنسانية، في ظل النزوح وتعطل الطرق وارتفاع أسعار المواد الأساسية وتراجع إمدادات الغذاء والوقود والأدوية والمياه النظيفة.
ونقل التقرير عن المنظمة الدولية للهجرة أن القتال الأخير أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان داخل محافظة تعز، ينتمي كثير منهم إلى مناطق ريفية خارج المدينة.
وتحدث سكان عن نقص المواد الأساسية والارتفاع الحاد في الأسعار منذ قطع الطريق المؤدي إلى عدن، فيما أفادت وكالات إغاثة بوجود نقص كبير في الوقود والغذاء والأدوية والمياه النظيفة.
وحذر برنامج الأغذية العالمي، في منتصف أكتوبر/تشرين الأول الجاري، من اقتراب نفاد مخزون دقيق القمح في المدينة، ما يثير مخاوف من تراجع القدرة على توفير الغذاء للسكان إذا استمر إغلاق الطرق وتعطلت الإمدادات.
ويهدد تدهور الأوضاع المعيشية بتفاقم المشكلات الصحية القائمة، خصوصاً مع انتشار أمراض مثل الكوليرا وحمى الضنك والملاريا، إلى جانب ارتفاع معدلات سوء التغذية بين الأطفال في اليمن.
سيناريوهات التصعيد المقبل
تواصل القوات الحكومية محاولاتها لاستعادة المناطق التي خسرتها وإعادة فتح الطريق إلى عدن، بدعم من الغارات الجوية للتحالف بقيادة السعودية، لكن نتائج هذه الجهود لا تزال غير محسومة.
في المقابل، يسعى الحوثيون إلى تثبيت سيطرتهم على المناطق المحيطة بتعز وتشديد الحصار والتقدم نحو المدينة، بالتزامن مع تصعيد الهجمات على أهداف سعودية، بحسب التقرير.
وقد يؤدي استمرار المواجهات وتعطل الطرق إلى حصار طويل يزيد من معاناة السكان ويعيد إلى الأذهان الظروف الإنسانية الصعبة التي عاشتها تعز خلال مراحل سابقة من الحرب.
وتبقى تعز إحدى أبرز النقاط المؤثرة في مسار الصراع اليمني، نظراً إلى موقعها الجغرافي وصلتها بالطرق المؤدية إلى عدن والساحل الغربي، وما قد يترتب على أي تغير في خطوط السيطرة حولها من تداعيات عسكرية وإنسانية واسعة.