من قصر حكم إلى ركام.. المتحف الوطني في تعز يتحول إلى ذاكرة منهوبة وسط الحرب
في قلب مدينة تعز، يقف المتحف الوطني شاهداً على تاريخ طويل من التحولات، بعدما انتقل من قصر حكم قديم إلى أحد أبرز رموز الذاكرة الثقافية في اليمن، قبل أن يتحول خلال سنوات الحرب إلى مبنى مثقل بالأضرار والنهب.
تعود أصول المبنى إلى نهاية القرن التاسع عشر، حيث شُيّد في البداية كمستشفى عسكري عام 1890 خلال الحقبة العثمانية، قبل أن يتحول لاحقاً إلى مقر للحكم، ثم إلى متحف وطني بعد قيام الجمهورية اليمنية عام 1962، ليحتضن مقتنيات تاريخية توثق مراحل متعددة من تاريخ البلاد.
لكن مع اندلاع الحرب في اليمن عام 2015، تعرض المتحف لعمليات تدمير واسعة شملت بنيته المعمارية ومحتوياته، إلى جانب نهب عدد كبير من القطع الأثرية، خصوصاً تلك المرتبطة بالعهد الإمامي، ما أدى إلى فقدان أجزاء مهمة من الذاكرة الثقافية اليمنية.
ويؤكد مختصون أن ما جرى للمتحف لا يقتصر على الأضرار المادية، بل يمثل تآكلاً تدريجياً للذاكرة التاريخية، في ظل غياب الحماية وتراجع دور المؤسسات الثقافية خلال سنوات النزاع، إضافة إلى تنامي عمليات الاتجار غير المشروع بالآثار.
وتشير تقارير صادرة عن منظمة اليونسكو إلى أن المواقع الثقافية في اليمن تواجه تهديدات غير مسبوقة، محذرة من أن استمرار النزاع قد يؤدي إلى فقدان أجزاء لا يمكن تعويضها من الهوية الثقافية.
ورغم هذا الواقع الصعب، بدأت خلال السنوات الأخيرة محاولات محدودة لإعادة تأهيل المتحف وترميم ما تبقى من محتوياته، إلا أن هذه الجهود تصطدم بتحديات كبيرة، أبرزها نقص التمويل وغياب التوثيق الدقيق واستمرار الوضع الأمني غير المستقر.
ويحذر خبراء آثار من أن استعادة المقتنيات المنهوبة تبقى مهمة معقدة، خاصة في ظل تفكك المنظومة الثقافية خلال الحرب، مؤكدين أن حماية التراث لا تقتصر على ترميم المباني، بل تشمل إعادة بناء ذاكرة كاملة تعرضت للتشظي.
وبين محاولات الإنقاذ ومخاطر الضياع، يبقى المتحف الوطني في تعز رمزاً لمدينة فقدت الكثير من ملامحها الثقافية، بينما يظل مصير ذاكرتها مفتوحاً على احتمالات غير محسومة.