انباء عدن
إعلان

«ولا تنازعوا فتفشلوا».. وحدة الصف شرطٌ لتجاوز الخلافات وتحقيق النصر

21 أكتوبر 2026 - 12:49 مساءً

 

في زمن المواجهات الكبرى والمعارك المصيرية، لا تجد الأمة أصدق من هدي القرآن الكريم لتسترشد به في أحلك الظروف، وتستمد منه قواعد الثبات والصمود. يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. آية كريمة تختزل قاعدة راسخة في إدارة الصراعات ومواجهة التحديات، مفادها أن التنازع يضعف الصفوف ويبدد الجهود، فيما يمثل التلاحم والتنسيق أساسًا لتعزيز الصمود ومواجهة الأخطار.

يواجه اليمن، شمالًا وجنوبًا، تحديات أمنية وعسكرية وسياسية متشابكة، وفي مقدمتها المواجهة مع جماعة الحوثي، التي تتهمها أطراف يمنية واسعة بممارسة الإقصاء والانتهاكات وتقويض مؤسسات الدولة. وفي ظل هذه الظروف، تبرز الحاجة إلى تغليب المصلحة الوطنية، وحماية المواطنين، وتوحيد الجهود الرامية إلى استعادة الأمن والاستقرار.

ومما يثير القلق أن بعض التراجعات أو الخسائر التي قد تشهدها جبهات المواجهة يمكن أن تتفاقم بفعل الخلافات السياسية والحزبية أو التباينات في المواقف والتقديرات. فمثل هذه الخلافات، مهما كانت أسبابها، ينبغي ألا تتحول إلى عامل يضعف التنسيق بين القوى المناهضة للحوثيين، أو يصرف الاهتمام عن حماية المقاتلين والمواطنين، خصوصًا في اللحظات التي تتطلب أعلى درجات المسؤولية والتماسك.

ولا يعني ذلك إلغاء التعدد السياسي أو مصادرة حق الاختلاف، فالتباين في الرؤى والمواقف أمر طبيعي في المجتمعات والقوى السياسية، لكن المسؤولية تقتضي إدارة هذه الخلافات بما يمنع انتقالها إلى الميدان، أو تحولها إلى صراعات تستنزف الطاقات وتمنح الخصوم فرصًا إضافية لتحقيق أهدافهم.

كما أن التعويل على التهدئة وحدها، من دون ضمانات واضحة وآليات رقابة فعالة، لا يكفي لبناء استقرار مستدام. فالتجارب السابقة تؤكد أهمية التعامل مع الاتفاقات والتفاهمات بحذر ومسؤولية، والاحتكام إلى الوقائع والتحقق من الالتزامات، بعيدًا عن التقديرات المتسرعة أو الرهانات غير المدروسة.

وأمام هذه التحديات، تبرز مسؤولية وطنية مشتركة تقع على عاتق مختلف القوى والمكونات اليمنية، شمالًا وجنوبًا، لتجاوز الحسابات الضيقة والعمل وفق أولويات واضحة، وفي مقدمتها:

أولًا: تغليب المصلحة الوطنية.

يتطلب الظرف الراهن احتواء الخلافات السياسية والحزبية، وتجنب تحويلها إلى معارك جانبية تستنزف الجهود والإمكانات، مع إعطاء الأولوية لحماية المواطنين ودعم الجهود الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار.

ثانيًا: تعزيز التنسيق العسكري والأمني.

إن وضوح المسؤوليات وتبادل المعلومات والتنسيق بين الجهات المعنية، في إطار مؤسسي منظم، عوامل أساسية للحد من الثغرات، ورفع مستوى الجاهزية، وتقليل الخسائر.

ثالثًا: ترشيد الخطاب الإعلامي.

تتحمل وسائل الإعلام والشخصيات العامة مسؤولية كبيرة في هذه المرحلة، من خلال تجنب خطاب التحريض والتخوين، والابتعاد عن نشر المعلومات غير المؤكدة، وتقديم تغطية مهنية تضع المصلحة العامة وسلامة المواطنين في مقدمة الأولويات.

رابعًا: إدارة الاختلاف بالحوار.

لا يمكن بناء موقف وطني متماسك بإنكار التباينات أو تأجيل معالجتها إلى أجل غير معلوم، بل عبر الحوار الجاد، والاتفاق على القواسم المشتركة، ووضع آليات عملية لمعالجة الخلافات بعيدًا عن التصعيد والتجاذبات.

إن دماء الشهداء وتضحيات الجرحى والمصابين تفرض على الجميع مسؤولية أخلاقية ووطنية تقتضي مراجعة الأخطاء، وتجنب تكرارها، والعمل على حماية الإنسان اليمني وصون كرامته ومستقبل أجياله.

فالنصر في المعارك لا تصنعه الشعارات وحدها، ولا تحققه الإرادة المنفردة، وإنما تسهم فيه وحدة الهدف، وحسن الإدارة، والتنسيق المسؤول، والقدرة على تحويل الاختلاف إلى مصدر إثراء لا سببًا للانقسام.

وتبقى الآية الكريمة: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ تذكيرًا دائمًا بأن قوة الجماعات والمجتمعات لا تقاس بمدى اتفاق أبنائها في كل شيء، بل بقدرتهم على إدارة خلافاتهم، وتقديم مصالحهم المشتركة، والوقوف معًا أمام التحديات التي تهدد أمنهم واستقرارهم ومستقبلهم.

شارك المقال:

مقالات أخرى للكاتب