نحو دولة المؤسسات.. قراءة في التصور المستقبلي للدولة الجنوبية
تتميز خارطة الطريق التي قدمها اللواء الركن فرج سالمين البحسني ببعدها الاستشرافي، الذي يتجاوز معالجة القضايا الراهنة إلى رسم صورة واضحة للمستقبل المنشود. ففي محور "إعداد مشروع متكامل لمستقبل الدولة الجنوبية"، تدعو الوثيقة إلى تشكيل لجنة وطنية من الخبراء والمتخصصين لإعداد وثيقة استراتيجية بعنوان "رؤية الجنوب لبناء دولة المؤسسات والقانون"، تتناول شكل الدولة ونظام الحكم، والضمانات الدستورية، واستقلال القضاء، واللامركزية، وإدارة الثروات، والسياسات الاقتصادية، والعلاقات الخارجية.
هذا التوجه يعكس إدراكًا عميقًا لحقيقة أن المطالبة بالدولة لا تكتمل دون تقديم تصور واضح لطبيعة هذه الدولة ومؤسساتها. فالعالم، كما تقول الوثيقة، "لا ينظر فقط إلى المطالب التي ترفعها الشعوب، وإنما ينظر أيضًا إلى قدرة القيادات على تقديم بدائل مسؤولة وقابلة للحياة، تضمن الأمن والاستقرار والحقوق والمصالح المشتركة".
وتتضمن الوثيقة محاور متكاملة لبناء الدولة، من بينها "ضمان التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة"، و"الشراكة العادلة بين المحافظات واللامركزية الإدارية والمالية"، و"إدارة الثروات والموارد الطبيعية وفق مبادئ الشفافية والعدالة". هذه المحاور تعكس تصورًا حديثًا للدولة، يقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والمؤسسات الراسخة، لا على المحاصصة والامتيازات.
ومن اللافت في الوثيقة تركيزها على البعد الاقتصادي والخدمي، إذ تدرك أن "أي مشروع سياسي لا يستطيع المحافظة على ثقة المجتمع ما لم يضع معاناة المواطنين واحتياجاتهم الأساسية في صدارة أولوياته". فالمواطن الذي يعاني من انقطاع الكهرباء وتدهور الخدمات وتأخر الرواتب، ينتظر حلولًا عملية لا خطابات سياسية. هذا الإدراك يعكس فهمًا عميقًا للعلاقة بين الشرعية السياسية والأداء الخدمي والاقتصادي.
كما تولي الوثيقة اهتمامًا خاصًا بالبعد الإعلامي، داعية إلى إنشاء "منظومة إعلامية مهنية متكاملة"، تتضمن مركزًا للاتصال الاستراتيجي وإدارة الأزمات، وفريقًا محترفًا لإنتاج المحتوى الموجه إلى الخارج بلغات متعددة، وآلية للتحقق من المعلومات ومواجهة الشائعات. هذا التوجه يعكس فهمًا بأن المعركة السياسية في العصر الرقمي تُخاض في ساحات الرأي العام بقدر ما تُخاض في الميادين التقليدية.
وفي الختام، تقدم الوثيقة خارطة طريق تنفيذية واضحة، بمراحل زمنية محددة، تبدأ بالتحرك العاجل خلال 30 يومًا، ثم التأسيس والتنظيم خلال 90 يومًا، ثم البناء والتوسع خلال 180 يومًا، ثم التقييم الاستراتيجي خلال عام. هذا الاهتمام بالبعد الزمني وآليات المتابعة والتقييم يعكس عقلية إدارية حديثة، تدرك أن الرؤى الاستراتيجية تظل حبرًا على ورق ما لم تترجم إلى برامج تنفيذية بجداول زمنية ملزمة وآليات مساءلة واضحة.