لماذا علينا الوقوف مع محافظ عدن؟
لم يكن اللقاء الموسع الذي عقده وزير الدولة، محافظ العاصمة عدن، عبدالرحمن شيخ، مجرد مؤتمر صحفي لاستعراض ما تحقق أو الحديث عن التحديات التي تواجه المدينة، بل كان حديثاً بسيطاً وصريحاً، شعرت وأنت تستمع إليه أنه نابع من القلب، ومن حرص حقيقي على عدن وأهلها، وعلى هذه المدينة التي ظلت، عبر تاريخها، أمّاً للمدن وملجأً للضعفاء وناصرةً للمظلومين، تفتح أبوابها لكل من ضاقت به الأرض، وتحتضن أبناء الوطن دون تمييز.
ما لفتني في حديث المحافظ لم يكن كثرة الملفات التي تطرق إليها فحسب، بل طريقته في الحديث عنها؛ فقد وضع أمام الإعلام والمجتمع تفاصيل كثيرة، من الأمن وملاحقة الخلايا الإرهابية، إلى معاناة النازحين واحتياجاتهم، مروراً بالكهرباء والمياه والطرق والصحة والتعليم، وصولاً إلى الموارد والإيرادات وأزمة الغاز. تحدث عن قضايا تمس حياة الناس اليومية، وعن إجراءات ومسؤوليات تتحملها السلطة المحلية في ظروف استثنائية ومعقدة.
في الملف الأمني، عكس حديث المحافظ ثقةً بالإجراءات التي تتخذها الأجهزة الأمنية، مستعرضاً ما تحقق من نجاحات في ملاحقة الخلايا الإرهابية المرتبطة بمليشيات الحوثي والقبض على عناصرها، وإفشال محاولات اختراق أمن المدينة وخلط أوراقها. وفي الوقت ذاته، حذّر من الاستهانة بما يجري في الجبهات، مؤكداً أن الخطر الحوثي ليس بعيداً عن عدن، وأن الاستعداد لمواجهته ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة، فالصواريخ التي تستهدف المدينة قد تسبق وصول الخطر إلى أسوارها، ما يستدعي يقظة دائمة وتماسكاً مجتمعياً وإسناداً مستمراً للجبهات.
ومن هنا، تبدو الرسالة واضحة: حماية عدن مسؤولية مشتركة، لا تتحقق إلا بتكامل جهود الأجهزة الأمنية ومؤسسات الدولة والمجتمع. فالأمن ليس مسؤولية الأجهزة وحدها، بل يبدأ بوعي المواطنين ويقظتهم، ويتعزز بتعاونهم وإبلاغهم عن كل ما قد يهدد سلامة الناس واستقرار المدينة.
.
وفي الملف الإنساني، تتجلى حكاية عدن التي لا تغلق أبوابها في وجه المحتاجين. أكثر من 6615 أسرة نازحة، يزيد عدد أفرادها على 39115 شخصاً، وفق الأرقام التي عرضها المحافظ حتى 18 أكتوبر الجاري، يعيشون بين احتياجات الغذاء والإيواء والصحة والتعليم. إنها أرقام تختصر معاناة آلاف الأسر، وتكشف في الوقت نفسه حجم العبء الذي تتحمله المدينة وسلطتها المحلية.
ومع ذلك، لم يتحدث المحافظ عن النازحين باعتبارهم عبئاً ينبغي التخلص منه، بل باعتبارهم إخوةً وأبناءً لهذا الوطن، لهم حق في السكن والحياة الكريمة والرعاية. وهذه هي عدن التي نعرفها؛ مدينة لا تسأل القادم إليها عن مكانه، بقدر ما تسأل عما يمكن أن تقدمه له حين يحتاج إلى العون.
وفي الخدمات، كان الحديث عن الكهرباء والمياه والطرق والمستشفيات والمعلمين حديثاً عن تفاصيل الحياة التي ينتظر المواطن أن تتحسن. ومن بين ما أعلنه المحافظ تخصيص 600 مليون ريال من ميزانية السلطة المحلية لدعم المعلمين، وتقديم دعم مالي للمستشفيات الحكومية، إلى جانب التحرك لتعزيز القدرة التوليدية للكهرباء وتنفيذ مشاريع خدمية وتنموية، والعمل على معالجة الاختلالات في الموارد والإيرادات.
ربما لم يعد السؤال اليوم: ماذا نريد لعدن؟ بل ماذا نحن مستعدون أن نفعل من أجلها؟ ففي ظل ما يحيط بها من مخاطر وتحديات، لم تعد الخلافات والمكايدات ترفاً يمكن احتماله، بل بات تجاوزها ضرورة لحماية المدينة ومستقبل أبنائها.
رسالة المحافظ تضع الجميع أمام مسؤولية مشتركة؛ أن نختلف دون أن نُضعف عدن، وأن ننتقد دون أن نهدم، وأن نساند كل جهد جاد يسعى إلى تعزيز أمنها وتحسين حياة سكانها. فالمعركة من أجل استقرار المدينة لا تخوضها السلطة المحلية وحدها، بل تحتاج إلى وعي المجتمع وتكاتف أبنائه.
في نهاية المطاف، لم يكن حديث المحافظ مجرد استعراض للتحديات التي تواجه عدن، بل تذكيراً بأن المرحلة الراهنة تفرض علينا جميعاً أن نكون على قدر المسؤولية. فالمخاطر المحيطة بالمدينة تستدعي وعياً يتجاوز الخلافات، ومواقف تضع مصلحة الناس فوق كل اعتبار.
لسنا مطالبين بأن نتفق في كل شيء، لكننا مطالبون بألا نسمح لخلافاتنا بأن تكون على حساب أمن عدن واستقرارها. ومن حقنا أن ننتقد ونحاسب، لكن من واجبنا أيضاً أن نساند كل جهد مخلص، وأن نكون جزءاً من الحل لا عبئاً إضافياً على المدينة.
عدن التي كانت ملاذاً للجميع، تستحق أن يكون الجميع سنداً لها. فلنجعل مصلحتها فوق خلافاتنا، وأمنها فوق حساباتنا، ومستقبل أبنائها غايتنا المشتركة.
والإجابة على عنوان مقالي :
لماذا علينا الوقوف مع محافظ عدن؟
لأن عدن تستحق